ابن عجيبة
224
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وسريره لتدبير مملكته ، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب ، وتكوير الليالي والأيام ، فله الخلق والأمر . وكذلك قال في آية السجدة بعد ذكر الخلق : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ « 1 » ، فربّ الخلائق : من هذا صفته ، لا غيره . انتهى بالمعنى . ثم أمرهم بأن يدعوه ، متذللين مخلصين ، فقال : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي : ذوى تضرع وخفاء ؛ فإن الإخفاء دليل الإخلاص ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ المتجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره ، ونبه على أن الداعي ينبغي ألّا يطلب ما لا يليق به ؛ كرتبة الأنبياء ، وقيل : الاعتداء في الدعاء ، هو الصياح به ، والتشدق ، أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « سيكون قوم يعتدون في الدّعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللّهم إنّى أسألك الجنّة وما يقرب إليها من قول وعمل . ثم قرأ : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » « 2 » . وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي ، بَعْدَ إِصْلاحِها ببعث الأنبياء ، وشرع الأحكام ، أو : ولا تفسدوا في الأرض بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن ، بعد إصلاحها بالخصب والأمان ، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أي : خوفا من الرد لقصور الأعمال ، وطمعا في القبول بالفضل والكرم ؛ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ المخلصين . قال البيضاوي : هو ترجيح للطمع ، وتنبيه على ما يتوصل به إلى الإجابة ، وتذكير قريب ؛ لأن الرحمة بمعنى الترحم ، أو لأنه صفة محذوف ؛ أي : أمر قريب ، أو على تشبيه فعيل الذي هو بمعنى مفعول ، أو للفرق بين القريب من النسب ، والقريب من غيره . ه . قلت : والأحسن أنه إنما ذكره ؛ لأن المراد بالرحمة هنا : سر الخصوصية ، وهو مذكر ، فراعى معنى اللفظ ، كأنه قال : إن سر الولاية - وهي الخصوصية - قريب من المحسنين . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قوله تعالى : ( في ستة أيام ) : قال الورتجبي : في كل يوم من هذه الأيام : ظهور صفة من صفاته ا لست : أولها : العلم ، والثاني : القدرة ، والثالث : السمع ، والرابع : البصر ، والخامس : الكلام ، والسادس : الإرادة ، كملت الأشياء بظهور أنوار الصفات الستة ، ولما أتمها صارت الحدثان ؛ كجسد آدم بلا روح ، فتجلى من صفته السابعة -
--> ( 1 ) الآية 4 من سورة السجدة . ( 2 ) أخرجه أبو يعلى في مسنده « 2 / 71 » من حديث سعد بن أبي وقاص . وصدر الحديث إلى قوله ( في الدعاء ) أخرجه أبو داود في ( الطهارة ، باب الإسراف في الماء ) وابن ماجة في ( الدعاء ، باب كراهية الاعتداء في الدعاء ) والحاكم في المستدرك « 1 / 540 » وصححه ووافقه الذهبي ، من حديث عبد اللّه بن مغفل .